السيد كمال الحيدري

55

التربية الروحية

أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 1 » . ولعل هذا هو مراد إمام المتّقين علي ( عليه السلام ) في قوله : « المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين » « 2 » . وقد أوضح الطباطبائي وجه ذلك بقوله : « إن طريقَي النظر إلى الآفاق والأنفس نافعان جميعاً ، غير أن النظر إلى آيات النفس أنفع ، فإنه لا يخلو من العثور على ذات النفس وقواها وأدواتها الروحية والبدنية ، وما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها ، والملكات الفاضلة أو الرذيلة ، والأحوال الحسنة أو السيئة التي تقارنها . واشتغال الإنسان بمعرفة هذه الأمور والإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر ، وسعادة أو شقاوة ، لا ينفك من أن يعرّفه الداء والدواء من موقف قريب ، فيشتغل بإصلاح الفاسد منها ، والالتزام بصحيحها . بخلاف النظر في الآيات الآفاقية فإنّه وإن دعا إلى إصلاح النفس وتطهيرها من سفاسف الأخلاق ورذائلها ، وتحليتها بالفضائل الروحية ، لكنه ينادي لذلك من مكان بعيد ، وهو ظاهر . هذا مضافاً إلى أن النظر في الآيات الآفاقية والمعرفة الحاصلة من ذلك ، نظر فكري وعلم حصولي ، بخلاف النظر في النفس وقواها وأطوار وجودها والمعرفة المتجلّية منها ، فإنه نظر شهودي وعلم حضوري ، والتصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة

--> ( 1 ) ( ) الذاريات : 21 . ( 2 ) ( ) غرر الحكم ودرر الكلم ، ص 76 ، الحديث 1754 .